هل اختلاف الأزواج أو المتحابين دليل على قوة العلاقة أم ضعفها ؟!؟
- June 16, 2026
- 82
- #Mental_health
هل اختلاف الأزواج أو المتحابين دليل على قوة العلاقة أم ضعفها ؟!؟
في لخظات صفو هادئة بين زوجين أو متحابين جمعتهما سنوات من الذكريات والعهود والأحلام المشتركة، فجأة قد ينشب خلاف بينهنا حول أمر قد يبدو تافهًا للوهلة الأولى. ككلمة تقال من أحدهما بأسلوب أو نبرة غير مقصودة أو غير معتاد للطرف الآخر،
أو حتى موعد نُسي وسط المشاغل المتعددة أشعر الآخر بعدم الاهتمام، أو أحيانًا قرار لم يحظَ بالنقاش الكافي، أدى إلى ارتفاع الأصوات قليلاً، وتجهم الملامح، بشكل قد يظن المراقب من الخارج أن العلاقة بينهنا تصدعت أو علَي وشك الانهيار، لكن علم النفس الحديث يقرأ المسألة ويفسرها بشكل مختلف.
المفارقة التي كشفتها عقود من بل أن الدراسات أثبتت أن غياب الخلاف ليس بالضرورة أن يكون علامة صحية للعلاقة، كما أن وجود الخلافات ليس دليل فشل لها، بل أن في كثير من الأحيان يتشاجر الأحبة لأنهم يهتمون ببعضهم (ما نطلق عليه بالعامية مصطلح العشم) وليس العكس، أي لأنهم ما زالوا يهتمون باستجابات بعضهم بدرجة تجعلهم غير قادرين على اللامبالاة وتمريرها للحبيب كغيره ممن لا يمتزث باهتماهم من عدمه.
أي بلغة أخرى حين يكون الطرف الآخر مجرد شخص عابر في حياتنا، يتدنى مستوى رغبتنا في النقاش معه أصلًا أو معاتبته، أما عندما يكون جزءًا من كياننا ومستقبلنا وأحلامنا وهويتنا العاطفية فإن اهتمامه وأفكاره وقراراته وسلوكياته يكون لها وزن خاص في دواخلنا، لذلك يكون حجم الاختلاف موجعا. ومن هنا تنشأ معظم الخلافات الإنسانية العميقة؛ أي من أهمية العلاقة وعمقها ووزنها لدينا وليس من انعدام وزنها.
لذلكرتشير أبحاث العلاقات الزوجية إلى أن الرضا العاطفي لا يعتمد على غياب النزاعات، بل على الطريقة التي تُدار بها تلك النزاعات، فالتواصل الصادق حول الضغوط والمشاعر عندما يكون مصحوبًا بخلاف يرتبط بارتفاع الرضا عن العلاقة وجودتها على المدى الطويل.
فعلى سبيل المثال لا الحص، أمضى عالم النفس الشهير John Gottman عقودًا في دراسة العلاقات الزوجية، وخرج بنتيجة أصبحت من أشهر النتائج في علم الأسرة وحل نزاعاتها، وهي أن الأزواج السعداء لا يتجنبون بالضرورة الخلافات أكثر من غيرهم، لكنهم يختلفون في كيفية التعامل معها، فالمشكلة ليست في وجود الغضب، بل في تحوله إلى احتقار أو سخرية أو هجوم شخصي أو دفاعية مستمرة.
أما عندما يبقى الاحترام حاضرًا رغم الاختلاف، فإن الخلاف يتحول من معركة إلى فرصة للفهم المتبادل، وبناء التقبل بينهما. ومن المثير للاهتمام أن العديد من القضايا التي يتجادل حولها الأزواج لا تُحل نهائيًا أبدًا؛ لأن البشر يختلفون في الطباع والاحتياجات والتوقعات،
ومع ذلك تستمر العلاقات الناجحة لعقود، وغالبا حتى الموت؛ ليس لأنها وجدت حلولًا سحرية لكل المشكلات، بل لأنها تعلمت كيف تتعايش مع الاختلاف دون أن تسمح له بتدمير المودة والاحترام.
كذلك تشير دراسات التعلق العاطفي إلى أن كثيرًا من النزاعات تخفي وراءها احتياجات إنسانية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؛ فالحاجة إلى الشعور بالأمان، أو التقدير، أو القرب العاطفي أو حتى الإحساس بأن الطرف الآخر ما زال يختارنا كل يوم، وعندما يعجز أحد الشريكين عن التعبير المباشر عن هذه الاحتياجات،
قد تظهر في صورة غضب أو لوم أو احتجاج عاطفي أو ختى نوع من التعبيرات اللفظية التي تغيظه أحيانا؛ ولهذا فإن السؤال الأهم أثناء الخلاف ليس:
من المخطئ؟
بل
ما الحاجة العاطفية التي يحاول هذا الشخص التعبير عنها؟
ولعل أجمل ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة هو أن العلاقات القوية لا تُبنى فقط في اللحظات الرومانسية الكبرى، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة. الإنصات الحقيقي، وإظهار الاهتمام، والاعتذار عند الخطأ، والقدرة على رؤية العالم من منظور الشريك، كلها عوامل ترتبط بارتفاع الرضا والاستقرار العاطفي.
لذلك، عندما يقع خلاف بين شخصين يحبان بعضهما، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول هو:
هل انتهى الحب؟
ففي كثير من الأحيان يكون الحب لا يزال حاضرًا بقوة خلف الكلمات المتعثرة والانفعالات المتوترة. والسؤال الأصح هو:
هل ما زلنا قادرين على الاستماع؟
وهل ما زلنا نحترم بعضنا من الداخل؟
فالعلاقات لا تنهار عادة بسبب وجود الخلافات، بل بسبب الطريقة التي تُدار بها تلك الخلافات. أما حين يمتزج الاختلاف بالاحترام، والغضب بالتعاطف، والعتاب بالرغبة الصادقة في الفهم، فإن النزاع لا يصبح علامة على ضعف العلاقة، بل قد يتحول إلى أحد الأسباب التي تجعلها أكثر نضجًا وعمقًا وصلابة.
الحب الحقيقي ليس أن نتفق دائمًا، بل أن نختلف أحيانًا دون أن نفقد قدرتنا على العودة إلى بعضنا البعض.
وهذا ما لخصه ابن القيم في قوله أن الحب درجات أعلاها لا يساوي عشر ما يسنى بالعِشرة، وما أشار إليه ابن حزم عندما قال: إذا ظفر العلشق بمعشوقته نقصت تسعة أعشار العشق لكن هنا تولد العشرة التي لا يساوي العشق كله جزءا منها.
د. رضوان أبوسيف
استشاري أسرار التطور العالمية
Development Secrets Consultancy DSC