قراءة اكلينيكية تحليلية في ما وراء إدمان الألعاب الالكترونية

  • 28 إبريل، 2026
  • 94
  • #الصحة_النفسية

 

قراءة اكلينيكية تحليلية في ما وراء إدمان الألعاب الالكترونية

 

بقلم: الدكتور رضوان أبوسيف
أخصائي تشخيص وتطوير القدرات العقلية والذهنية.


أحاول في هذه الوريقة العلمية التي تتضمن قراءة إكلينيكية ملخصة، لفت النظر إلى ما وراء اضطراب "إدمان الألعاب الإلكترونية" استنادا إلى ما لمسته لدى كثير من الحالات التي تعاملت معها في هذا المجال وفي مجالات أخرى حوله، والذي يتلخص بتقديم الوصف الصحيح لهذا الاضطراب (من وجهة نظري الشخصية المستندة لملاحظات تجريبية وسريرية) والذي يتلخص بوصفه كعرض ثانوي واستجابة لاضطرابات واختلالات نفسية أو اجتماعية أو حتى بيولوجية أخرى. 


حيث وجدت لدى أكثر من ٧٠٪ من الحالات التي تعاملت معها من المدمنين على الألعاب الالكترونية، أن هذا الإدمان ما هو إلا انعكاس أو عرض سلوكي ظاهري لاضطرابات نفسية أو اختلالات اجتماعية أو صعوبات شخصية في التنظيم الذاتي وأنه لم يكن اضطرابا أصيلا كما نراه على ظاهره وكما يظنه الكثيرون، بل أني وجدت أنه لدى بعض الحالات مجرد تعبير سلوكي أو أحيانا سلوك انعكاسي جزئيا أي شبه لا إرادي نتج أصلا عن عوامل عصبية بيولوجية أو أيضية المنشأ. 


ففي أثناء دراستي للدكتوراه الأخيرة كنت قد وضعت ملاحظات تحليلية خاصة بشكل جانبي (على هوامش البحث)، والتي كان بعضها خاص بهذا الاضطراب، وكنت أغذيها بعد ذلك بملاحظات تجريببة أو تحليلية خلال الزيارات الميدانية لمدارس ومراكز الموهوبين، أوحتى أثناء تقديم خدمات تشخيص وتطوير للقدرات العقلية والذهنية لطلاب الجامعات والمدارس، سواء في ماليزيا أو السعودية أو الأردن، عدا ما دونته من ملاحظات منذ عام ٢٠٢٠ ولغاية الآن، والتي فرزت من خلالها اضطرابات كانت   ترتبط بالطلبة الموهوبين والمتفوقين، والذين لمست أن اللعب الالكتروني لم يكن لديهم تحديدا مجرد ترفيه،

بل وسيلة نفسية معقدة لتنظيم الانفعالات، وأحيانا الهروب من ضغوط الأداء المطلوب منهم، وأحيانا تعويض فجوات في العلاقات وأحيانا في الحاجات كالشعور بالانتماء لمكان وجماعة يفوزون ويخسرون بمتعة وحرية دون تهديد نفسي بوصمة أو انحدار. 
لذلك أحببت أن أؤكد للقاريء في هذه الوريقة منهجي في العلاج الذي أصر عليه دائما وأسست من أجله استشارية أسرار التطور Development Secrets Consultancy DSC، وهو أن العلاج الصحيح لن يكون دون تشخيص دقيق وشامل، وأن الفهم العلاجي لا يكتمل دون تحليل وظيفة السلوك، والانتقال من المعالجة بمنع الأسباب الظاهرية إلى علاج الأسباب الجوهرية بالتشخيص الدقيق وفهمها ومن ثم تحقيق التكامل العلاجي بين الأسباب والأعراض.


وقبل أن أدخل في التفصيل بما ترمي إليه هذه الوريقة، أود أن أنبه إلى أن الحديث في السنوات الأخيرة عن الألعاب الإلكترونية لم يعد مقتصرًا على الترفيه أو التطور التكنولوجي، بل امتد إلى المجال السريري بوصفها أحد أنماط السلوك التي قد تنزلق إلى الإدمان. 
وهذا ما لا أعارضه بشكل جذري، غير أن ما تتميز به هذه الورقة هو التركيز على أن الملاحظات الإكلينيكية التي مررت بها تكشف لي أن هذا “الإدمان” لا يمكن فهمه خارج سياقه النفسي والاجتماعي، ففي العادة يوصف مدمن الألعاب الالكترونية بهذا الوصف دون أن يوصف بجوهر حالته، وهو أنه إنسان فقد توازنه في مكان ما، فوجد في اللعبة نقطة ارتكاز بديلة، وهنا أصبح الإدمان على اللعبة نتيجة وعرضا وليس اضطرابا جوهريا يحتاج لعلاج مباشر، بل يحتاج لوصف أدق لمسار داخلي أكثر تعقيدًا، لا سببًا مستقلًا قائمًا بذاته.


لذلك لا بد أولا تحديد ما نراه نحن وأنتم وما الذي لا نراه، فالسطح واضح، وهو ساعات طويلة من اللعب، انعزال، تراجع دراسي، اضطراب في النوم، وربما تقلبات انفعالية.
لكن العمق مختلف تمامًا.


فما لا نراه هو قلق متراكم لدى فرد لم يجد مَنفَذا، و ضغوط أكاديمية قد تفوق قدرته على التحمل، وشعور خفي بعدم الكفاية رغم التفوق الظاهري، وأحيانا هشاشة في مهارات التنظيم الذاتي، أو علاقات أسرية لا توفر الأمان الكافي. وفي هذا السياق، لا تكون اللعبة الالكترونية هي المشكلة أو السبب الرئيسي، بل تصبح حلًا مؤقتا أو مُسَكّنا للألم الحقيقي الذي يشعر به ولا يراه من حوله، وتبذأ المصيبة الأكبر في بحثنا عن علاج للعرض وليس للمرض، كمن يبحث عن علاج للصداع بمسكنات مؤقتة دون تشخيص وعلاج السبب لهذا العرض، ومن هنا نؤكد على ضرورة التعامل مع الإدمان كاستجابة فهو ليس في الغالب اضطراب أو اختلال أولي. 


فمن خلال خبرتي المتواضعة ومن خلال تتبع الحالات العديدة، اتضح لي أن سلوك اللعب المفرط غالبًا ما يؤدي وظيفة نفسية محددة، تختلف من فرد لآخر، فهي لدى البعض عبارة عن استجابة لتنظيم القلق والضغط، فهي على سبيل المثال كانت لدى بعض الطلبة المتفوقين الذين تعاملت معهم تمثل استجابة منهم لعيشهم المستمر تحت ضغط التوقعات المرتفعة، فكانوا يجدون في اللعبة مساحة خالية من الحُكم والمراقبة المحيطة، ومخرجا لإنجاز فوري دون تهديد، بل وقدرة على التحكم في النتائج، وهو ما يفتقده هؤلاء الأفراد في واقعهم الأكاديمي.


ولدى حالات أخرى كنت ألمس أن هذا النوع من اللعب أصبح ميكانيزما دفاعيا لتعويض الإخفاق في التنظيم الذاتي. والبعض منهم وجدت أنهم لا يعانون من ضعف في القدرة، بل من صعوبة في بدء المهام أو الاستمرار فيها أو في إدارة الوقت، فكانوا يجدون في بعض الألعاب الالكترونية، ببنيتها الواضحة ومكافآتها السريعة، أنها توفر لهم بديلا جاهزا يعوض تلك الحاجات التي لم تتيقظ بيئتهم التعليمية (المدرسة والجامعة) لتلبيتها. 


طبعا هذا ليس كل شيء، بل أن بعض الحالات وجدت أن الألعاب الالكترونية كانت مخرجهم الوحيد للهروب من اضطرابات انفعالية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما كان يعجز الفرد عن التعامل مع الغضب، الإحباط، أو القلق الاجتماعي، كانت تتحول اللعبة إلى مساحة تفريغ آمنة، حيث يمكنه التعبير دون عواقب مباشرة.


عدا عن ما توفره تلك الألعاب الالكترونية من بيئة بديلة تبحث فيها بعض الحالات عن الانتماء في ظل ضعف العلاقات الواقعية أو توترها لديهم، وفعلا هنا تكون المجتمعات الإلكترونية (سواءً الأشخاص الافتراضيين داخل اللعبة أو الحقيقيينَ الذي يشاركون في اللعبة عبر الانترنت) ملاذا تجد فيها الحالة نفسها مقبولة بسهولة وسرعة لا تجدها في البيئة الواقعية، عدا عن الهوية البديلة التي توفرها بيئة الألعاب الالكترونية، فما يميز تلك الهوية هو الدور الواضح داخل المجموعة، وهو ما قد يكون غائبًا في البيئة الواقعية.
وما لفت انتباهي وأردت لفت انتباهكم إليه في هذه الورقة هو أن الموهوبون كانوا هم الأكثر عرضة أحيانا لهذا العرض (الإدمان على الألعاب الالكترونية) والذي تسمونه أنتم مرضا، وقد يبدو الأمر غير بديهي،

 

لكن عددا كبيرا من الحالات كان ينتمي إلى فئة المتفوقين دراسيا، سواءً سابقا قبل الإدمان أو أنهم لا زالوا كذلك بعده، والتفسير لدي هو أن الأمر لا يرتبط بالقدرة العقلية، بل بالتركيبة النفسية المصاحبة، فالمتفوقون، كما ثبت لدى المتخصصين في مجالهم، إحدى أبرز سماتهم السلوكية هي الحساسية العالية، و أن وكذلك الكمالية العالية التي تعيق البدء أو الاستمرار لديهم أحيانا، فهم رغم تميزهم لديهم خوف عميق من الفشل يختبئ خلف الإنجاز العالي، ولدى هذه الحالات تصبح اللعبة بيئة مثالية لأنها تسمح بالفشل دون وصمة، وتسمح بالتقدم التدريجي، وتمنح شعورًا بالسيطرة، أي ما يفتقده الفرد منهم في حياته الواقعية. 


أما فيما يخص البعد العصبي والأيضي، فلا يمكن إغفال أن بعض الحالات تحمل مكونات بيولوجية تسهم في ترسيخ السلوك، فعلى سبيل المثال فاضطرابات النوم، البيولوجية أو الأيضية المنشأ، تؤثر على الإيقاع الحيوي، وكذلك وجود خلل في دوائر المكافأة الدماغية يزيد من البحث عن التحفيز، فهناك حالات يوجد لديها نقص أو اضطراب أيضي يؤثر على الطاقة والانتباه، فمع أن هذه العوامل لا تخلق الإدمان وحدها، لكنها تجعل الفرد أكثر قابلية للانجذاب نحو أنشطة عالية الإثارة مثل الألعاب.


وفي حدود الفهم الشائع، أردت من خلال هذه الوريقة التنويه لإيجابيات وسلبيات الخطاب التوعوي السائد لدى كثير من المختصين في المجال، والذي يركز في الغالب على (تقليل الوقت و شغل الفراغ وزيادة الرقابة)، والتي أعتبرها توصيات مفيدة، لكنها تفشل عندما تُطبق دون فهم السياق قد لا تكون كذلك؛ لأن المشكلة الحقيقية ليست في اللعبة الالكترونية أو في الوقت الذي تقضيه الحالة فيها فقط، بل في الأسباب الجوهرية التي أدت للهروب إلى تلك اللعبة والاستعانة بها كبديل أو تعويض لشيء مفقود في البيئة الواقعية، بل قد يكون في ما تميزت به تلك اللعبة أي في ما جعل الحالة التي أدمنت عليها تجد في هذه اللعبة وفي واقعها الافتراضي ما لا تجده خارجها في الواقع الحقيقي، وأحيانا قد تكمن في التوقيت أي لماذا الآن تحديدا قام هذا الفرد بالتعلق في هذه اللعبة الالكترونية وبهذا الشكل. 


ومن أجل ذلك أردت إعادة تعريف التدخل العلاجي الفعّال لهذا النوع من الإدمان، والذي لا يجب أن يبدأ بالعمل على إزالة اللعبة من حياة هذا الفرد بشكل قطعي، بل بفهم وظيفتها التي سببت ذلك الإدمان عليها. 


فالخطوة الأولى للعلاج يجب أن تكون: تحليل المعنى الشخصي للسلوك، وما الذي تمثله اللعبة لهذا الفرد المدمن عليها، ثم العمل بعد ذلك على علاج الجذور التي أدت للإدمان، والتي قد تكون  في جوهرها قلقا أو اكتئابا، أو ضعفا في مهارات التنظيم الذاتي، أو اضطرابات أخرى نشأت من أنماط خاطئة في التواصل الأسري. وبعد ذلك الانتقال إلى بناء بدائل حقيقية، فليس أي بديل سيكون كافيا ليسد مكان الإدمان على اللعبة، بل يجب أن يكون هذا البديل قادرا تأدية نفس الوظيفة النفسية التي كانت تؤديها اللعبة لدى الفرد المدمن عليها.


ومن أهم ما يجب التنبيه عليه  هو ضرورة التدرج في التغيير وعدم الانتقال المفاجئ؛ لأن التغيير المفاجيء قد يخلق مقاومة لا إرادية لتقبله لدى الحالة، بينما فإن التدرج يسمح بإعادة بناء التوازن بشكل منطقي لديها. 
وكذلك يجدر التنبيه إلى ضرورة فهم أن اللعبة قد أصبحت بالنسبة للحالة المدمنة عليها رسالة وليس مجرد سلوك، وكأن عقيدة داخله تقول (أنا لا أستطيع تحمل هذا الضغط، ولا أعرف كيف أنظم نفسي، ولا أجد مكاني خارج هذا العالم)؛ لذلك فإن كل محاولة علاج لهذا السلوك دون فهم لهذه الرسالة والاعتقاد الذي نشأ الإدمان عنه ستظل قاصرة.

 

وألخص ما سبق بأن إدمان الألعاب الإلكترونية ليس دائما مرضا أو اضطرابا في حد ذاته، بل قد يكون عرضا لاضطرابات أعمق معروفة ضمن الأدلة التشخيصية أو أنها لم تكتشف بعد؛ لذلك فإن التركيز على العرض السلوكي وحده يشبه إطفاء جرس الإنذار دون البحث عن سبب انطلاقه في هذا التوقيت، ودون الانتباه لمصادر الخطر الحقيقية. 

 

وفي الختام فإن نتائج هذه الملاحظات الإكلينيكية توضح لنا أن ما يبدو لنا هروبا في ظاهره قد يمثل في جوهره ميكانيزما دفاعيا ومحاولة بقاء، وما قد يبدو لنا إدمانا في ظاهره قد يكون محاولة تنظيم بدائية لشيء لم يتعلم صاحبه كيف يديره، وأن المدخل الأكثر فعالية للتشخيص والعلاج الصحيح والدقيق ليس في العمل على كسر علاقة المدمن بالألعاب الالكترونة، وإنما العمل على تحليل وفهم أعمق للحاجات والظروف التي صنعتها، وبعد ذلك العمل على إعادة بناء هذه الحاجات وتلبيتها على أرض الواقع بشكل حقيقي متوازن.

شارك المقال